محمد محمد أبو موسى

468

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ويذكر كذلك الأسلوب الخشن والغليظ ، وله احساس دقيق بمواقع الكلمات واصابتها ، وتفاعل صادق مع ما تحتويه . يقول في قوله تعالى : « قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ » « 146 » : « دعاء عليه وهو من أشنع دعواتهم لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ، و « ما أَكْفَرَهُ » : تعجب من افراطه في كفران نعمة اللّه ، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ، ولا أخشن مسا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد شوطا في المذمة ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمة على قصر متنه » « 147 » . تأمل كيف وصف المعنى والمبنى والصنعة في هذه الكلمات القصار . والزمخشري يعتمد حكم الذوق ويستجيب له ، ويقف عند هذا الحكم غير محلل ولا موضح ، ويرفض تأويل المخالفين ووجه فهمهم للنص ، ولا حجة له أحيانا الا الذوق ، والاعتماد عليه في نظره اعتماد على أساس متين ، وكأنه المرجع الذي يرجع اليه المختلفون مهما كانت درجة خلافهم . يقول في رده على أهل السنة ، وجه تفسيرهم لقوله تعالى : « وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » « 148 » : « ومن ارتكابهم أنهم فسروا « كثيرا » بمعنى « جميع » في هذه الآية ، وخذلوا ، حتى سلبوا الذوق فلم يحسوا ببشاعة قولهم : وفضلناهم على جميع ممن خلقنا » « 149 » . ويذكر صفات للأسلوب فيها ابهام واجمال ثم يبين ويحلل ما أبهم وما أجمل يقول في قوله تعالى : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ » « 150 » : « وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه اللّه اسلاما ، ونفى أن يكون كما زعموا ايمانا ، فلما منوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما كان منهم قال اللّه سبحانه وتعالى لرسوله عليه السلام : ان هؤلاء

--> ( 146 ) عبس : 17 ( 147 ) الكشاف ج 4 ص 561 . ( 148 ) الاسراء : 70 ( 149 ) الكشاف ج 2 ص 532 ( 150 ) الحجرات : 17